حيدر حب الله

94

حجية الحديث

ما نُسب للنظام من إشكاليّة ترتبط بالبنية النظريّة للتواتر ، وليس فقط بالفرص العملية الإمكانيّة ، فقد قيل : إنّ التواتر ليس سوى انضمام مجموعة من الإخبارات إلى بعضها ، وكلّ خبر منها يحتمل فيه الصدق والكذب ، وإذا جاز كذب الواحد جاز كذب غيره ممّن هو مثله ، فجاز كذب المجموع ؛ لأنّ المجموع ليس سوى هذه الأخبار الآحاديّة التي يجوز في كل واحد منها الكذب ، ومع فرض إمكان الكذب في المجموع لا يمكن الحديث عن تحصيل العلم من التواتر « 1 » . والجواب عن هذه الإشكالية بات واضحاً ، حيث إنّ ما تقدّم في المبحث الأوّل من بحوث التواتر هنا هو شرحٌ وتحليل لكيفيّة حصول العلم من التواتر حتى لو أمكن الكذب في هذا الخبر أو ذاك ، فلا نطيل ولا نعيد ، وهو ما عبّروا عنه بجملة : إنّ جواز الكذب على كلّ واحد على حدة ، لا يستلزم جواز الكذب على المجموع بما هو مجموع « 2 » . إنّما الذي يهمّنا هنا هو الفرص الإمكانيّة لتطبيق نظرية التواتر الجميلة على الواقع الحديثي في التاريخ الإسلامي ، فقد أورد على التواتر في بعده التطبيقي الميداني بأنّه بالرغم من كونه يقوم نظريّاً على حساب الاحتمالات ، إلّا أن هذا لا يعطي التواتر أيّ قيمة إحصائية ، طالما كان حساب احتمالات الخطأ والصواب فيها يتمّ ذهنياً ، ودون البرهنة عليه وإيضاحه رياضياً ؛ فذلك مخالف لكلّ الاستعمالات الإحصائية في العلوم الحديثة ، حيث لا يكفي في عصرنا الحاضر أن نقول : إن نسبة فاعلية دواء معين عالية ، دون تعيينها وتبيانها رَقْماً . لذلك راعَني استشهاد الشهيد الصدر في ذات الكتاب بثبوت

--> ( 1 ) انظر : ابن حزم ، الفِصَل في الملل والأهواء والنحل 5 : 75 ؛ والمامقاني ، مقباس الهداية 1 : 93 ؛ والعلامة الحلّي ، الألفين 1 : 114 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 300 - 301 ؛ والفخر الرازي ، شرح عيون الحكمة 1 : 209 . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : الحلّي ، نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 303 .